صديق الحسيني القنوجي البخاري

563

فتح البيان في مقاصد القرآن

بها هي من الكواكب الثوابت ، بل من غير الثوابت وأصل الثقوب الإضاءة . قال الكسائي : ثقبت النار تثقب ثقابة إذا اتقدت وهذه الآية هي كقوله : إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ [ الحجر : 18 ] ، قال ابن عباس : إذا رمى الشهاب لم يخطئ ، من رمي به ، وتلا : فأتبعه شهاب ثاقب وقال : لا يقتلون بالشهاب ولا يموتون ، ولكنها تحرق وتخبل وتجرح في غير قتل . قال سليمان الجمل قالوا : إنه ليس المراد أنهم يرمون بأجرام الكواكب بل يجوز أن تنفصل منها شعلة يرمى بها الشيطان والكواكب باقية بحالها ، وهذا كمثل القبس الذي يؤخذ من النار وهي على حالها ويعود الشيطان مرة أخرى مع أنه يعلم أنه يصاب ولا يصل إلى مقصوده رجاء نيل المطلوب . وطمعا في السلامة ، كراكب البحر فإنه يشاهد الغرق أحيانا لكن يعود إلى ركوبه رجاء السلامة ونيل المقصود . فَاسْتَفْتِهِمْ أي اسأل الكفار المنكرين للبعث أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ؟ وأقوى أجساما وأعظم أعضاء وأمتن بنية وأشق إيجادا وأصعب خلقا أَمْ مَنْ خَلَقْنا من السماوات والأرض والجبال والملائكة ؟ قال الزجاج : المعنى فاسألهم سؤال تقرير أهم أحكم صنعة ؟ أم من خلقنا قبلهم ممن قبلهم من الأمم السالفة ؟ يريد أنهم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بالتكذيب فما الذي يؤمنهم من العذاب . قرىء : أم من خلقنا بتشديد الميم وهي أم المتصلة عطفت من على هم وقرىء بتخفيفها وهو استفهام ثان فالهمزة للاستفهام أيضا ، ومن مبتدأ وخبره محذوف أي الذين خلقناهم أشد فهما جملتان مستقلتان ، وغلب من يعقل على غيره فلذلك أتى ب ( من ) قاله السمين وتكتب ( أم ) مفصولة من ( من ) في هذا الموضع ثم ذكر خلق الإنسان فقال : إِنَّا خَلَقْناهُمْ أي في ضمن خلق أبيهم آدم مِنْ طِينٍ لازِبٍ أي لاصق . يقال : لزب يلزب لزوبا إذا لصق من باب دخل ، وقال قتادة وابن زيد : اللازب اللاصق ، وقال عكرمة : اللازب اللزج ، وقال سعيد بن جبير : اللازب الجيد الذي يلصق باليد ، وقال مجاهد : هو اللازم والعرب تقول : طين لازب ولازم تبدل الباء من الميم واللازم الثابت كما يقال : صار الشيء ضربة لازب ومنه قول النابغة : ولا تحسبون الخير لا شر بعده * ولا تحسبون الشر ضربة لازب « 1 » وحكى الفراء عن العرب طين لاتب بمعنى لازم ؛ واللاتب الثابت ، قال

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 48 ، ولسان العرب ( لزب ) ، ومقاييس اللغة 5 / 245 ، وكتاب العين 7 / 369 ، وتهذيب اللغة 13 / 215 ، وتاج العروس ( لزب ) ، وبلا نسبة في المخصص 12 / 68 .